بقلم: *الطالب :عبد الله أموش* 2009/04/19
تشكل القيم ومنظومة القيم العامل الأساسي في ارتقاء الأمم والحضارات، وفي انحدارها بغض النظر عن العوامل الأخرى التي قد تكون ثانوية وهامشية مساعدة."ولأننا حين نتحدث في عالم اليوم عن منظومة القيم، فإننا نمس مباشرة جوهر الإنسان من جهة، ومجال التدافع الحضاري الحقيقي من جهة ثانية "[1]. فلنظام القيم مركزيته ومحوريته الأساسية في البناء الحضاري على حد تعبير المفكر الموسوعي عبد الوهاب المسيري[2]، ولأهميته وملحاحيته الأساسية نحت المفكر المغربي المهدي المنجرة مقولته المشهورة في كتابه " قيمة القيم " جاء فيه: ( أن يعرف الإنسان قيمة القيم قيمة في حد ذاتها).كما يرى (أن القيم أنزيمات التعلم المجدد). وهذا الأخير جوهر النهوض و المدخل الأساسي للرقي الحضاري، ولذلك كان خطاب السماء إلى العالمين *اقرأ* و على هذا الأساس يرى المفكر الجزائري مالك بن نبي أن: "الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها ".لكن اليوم تبين أن " الأمة التي تقرأ تموت في أجلها، أما التي لا تقرأ فتموت قبل ولادتها"[3].
فإذا كان هذا شأن القيم، فلابد من الوقوف عند الموضوع باستدعاء كل الأسئلة التي من شأنها أن تساعدنا في تسليط الضوء على الجوانب المركزية للموضوع، و إعطاء الموضوع ما يستحق من قدر واهتمام.
فعند الحديث عن القيم فلابد من استحضار سؤال الماهية و الجوهر "ما معنى القيم ؟" و عند حديثنا عن منظومة القيم و نسق القيم فلا بد من تفكيك هذا المركب، وإعادة تعريفه وتركيبه، ثم نعرج على خصائص القيم والاهتمام بموضوع القيم من ناحية ( البحث، و الدرس، و تأليف)، وعلى ضوء كل هذه الأسئلة سنستدعي سؤال التجديد في القيم باعتباره جوهر التحدي الحضاري، لنصل إلى النقطة المفصلية في الموضوع، والتي تتعلق بجوهر الإنسان، وسنستعرضفيه اتصال القيم بكينونة الإنسان وتركيبته البشرية بحيث ننظر إليه على أنه "آية قبل أن يكون آلة" على حد تعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان[4].
القيم: المفهوم والماهية.
في اللغة: قيمة الشيء: قدره و قيمة المتاع: ثمنه و يقال لفلان قيمة: ماله ثبات ودوام على الأمر والجمع قيم[5],ويجب أن ننبه إلى ما تنبه إليه الأستاذ سامي خشبة عند استعراضه لتعريف "القيمة""Value" والمدارس التي تتنازعها. في الأخير قال:(وينبغي أن نشير إلى أن مصطلح ((القيمة))هنا لا علاقة له بمصطلح (( القيم )) Morals- ودلالته الأخلاقية والاجتماعية أساسا الذي يستحسن أن نجعله ((منظومة القيم)) حتى نتغلب على إحدى المشاكل الدلالية التي تثيرها أحيانا المفردات المحدودة للغة)[6].وتجدر الإشارة إلى أن القيم أوسع من الأخلاق، بحيث أننا نتحدث عن قيمة الزمن ولا نتحدث عن أخلاق الزمن..إلخ، هذا من ناحية المقاربة اللغوية للمصطلح. أما إذا حاولنا مقاربة المصطلح من الناحية المفاهمية الاصطلاحية فسنجد كثرة التعريفات المتنوعة التي تدل على اتسام المفهوم بطابع انسيابي من مجال إلى مجال، ومن تخصص إلى تخصص.
فالقيم ما هي إلا انعكاس للأسلوب الذي يفكر الأشخاص به في ثقافة معينة، وفي فترة زمنية معينة. كما أنها هي التي توجه سلوك الأفراد وأحكامهم واتجاهاتهم فيما يتصل بما هو مرغوب فيه أو مرغوب عنه من أشكال السلوك في ضوء ما يضعه المجتمع من قواعد ومعايير. وقد تتجاوز الأهداف المباشرة للسلوك إلى تحديد الغايات المثلى في الحياة ، فهي على حد تعبير " روكيش" , إحدى المؤشراتالهامة لنوعية الحياة ، ومستوى الرقي ، أو التحضر في مجتمع من المجتمعات[7] أو بتعبير بسيط عند الأستاذ أمحمد الطلابي:" إطار نسقي أو منظومة عقدية و دينية أو فلسفية مفضلة عند حضارة أو شعب ما ، تتجدر كثقافة تصنع أسلوب الحياة . وتتحدد وفقها تصورات الكون و الطبيعة و التاريخ وحتى الوجود". بل يرى الأستاذ المهدي المنجرة أن "المفهوم القيمي ، ينبع من صلب بناء المجتمع، وفيه إنتاج وابتكار وتجديد، مادمنا لم نمس الأركان …؛ فالإسلام لم يأت عقيدة فقط؛ بل فلسفة حياة وتركيب عقلانيا، ومعاملات وأخلاق…"[8]
وعند تعريفنا للقيم نصمها بأنها نسق أو منظومة[9] و بالتالي سنتوقف عند دلالة المصطلح و سبب ظهوره.
مفهوم نسق القيم
انبثقت فكرة نسق القيم من تصور مؤداه أنه لا يمكن دراسة قيمة معينة أو فهمها بمعزل عن القيم الأخرى، فهناك مدرج أو نسق هرمي تنتظم به القيم مرتبة حسب أهميتها بالنسبة للفرد و الجماعة[10].
ويقصد بنسق القيم " مجموعة القيم المترابطة التي تنظم سلوك الفرد وتصرفاته، ويتم ذلك دون وعي الفرد". وبتعبير آخر هو " عبارة عن الترتيب الهرمي لمجموعة من القيم التي يتبنها الفرد ، أو أفراد المجتمع ، ويحكم سلوكه أو سلوكهم دون الوعي بذلك"[11] أو كما يعرفها الأستاذ عبد اللطيف محمد خليفة بقوله نسق القيم هو : " عبارة عن البناء أو التنظيم الشامل لقيم الفرد ، و تمثل كل قيمة في هذا النسق عنصرا من عناصره ، وتتفاعل هذه العناصر معا لتؤدي وظيفة معينة بالنسبة للفرد[12]. ويمكن أن نجتهد في صياغة تعريف متكامل يجمع شذرات ما تفرق في كل هذه التعريفات، وبالتالي نرى أن نسق أو منظومة القيم هو: " نظام متكامل وهيكل هرمي وشبكة تنتظم فيها قيم مفضلة عند شعب من الشعوب، تتوافق عليها العقول السوية، و تقبلها الطباع السليمة . تساعد على صياغة سلوكياتهم وتصوراتهم للكون و الطبيعة و الإنسان".
الاهتمام بالقيم ( البحث و الدرس و التأليف)
إن من ضمن ما تأسف عليه الأستاذ عبد الجبار الرفاعي وله علاقة بموضوع القيم هو قلة الاهتمام بعلم الأخلاق والقيم كفن مستقل إن لم نقل بانعدام التأليف فيه، فلا يوجد فيه إلا النزر اليسير على رفوف المكتبة الإسلامية التي استغرقتها كتابات ( الفقه، وعلوم القرآن، والحديث، والأصول ..). فالذي يرجع إلى الفهرست لابن النديم سيلاحظ هذه المفارقة العجيبة، سيتساءل ما هي المنظومة التي تأطر المسلم و توجه سلوكياته طول هذه المدة ؟ هذا سؤال في التاريخ. أما اليوم فسنطرح سؤال المنظومة المُوجّهة للأمة في عصر تحدي العولمة؟ وكم أعجبني ما قاله الأستاذ رضوان السيد:" فعلى شراسة الأعداء الذين واجههم الإسلام وحضارته في الماضي، لم يسبق أن واجه خصماَ غير مشخص هو الثورة التكنولوجية. لذلك تبدو دروس الماضي في المجال قليلة الجدوى، إذ لا يمكن قياس الحاضر على الماضي لفقد بعض عناصر المقارنة أو المقاربة في الأكثر الأعم "[13]
ومن باب الإنصاف القول بأن أقدم من كتب في هذا العلم كفن مستقل ابن مسكويه في كتابه ( تهذيب الأخلاق ). وما قلناه على المكتبة الإسلامية يصدق على الخزانة العالمية إذ لم يظهر الاهتمام بهذا الميدان إلا مؤخرا وسنقف عند أسباب ذلك.
يرى لفيتون أن" تأخر الاهتمام بدراسة القيم داخل مجال علم النفس يرجع إلى اعتقاد لدى علماء النفس بأن دراسة الأحكام القيمية تقع خارج نطاق الفحوصات الامبريقية "[14]. وأقدم من بحث في موضوع الأخلاق الفيلسوف أرسطو في كتابه "رسالة الأخلاق" من الناحية الفلسفية. بمعنى أن الموضوع كان مجال اشتغال الدين باعتباره رسالة في الأخلاق.
ولأهمية القيم فقد أخذ هذا الموضوع يفرض نفسه على كل مفكر حر يحترم كينونة وإنسانية الإنسان. فموضوع القيم اليوم من الموضوعات التي تقع في دائرة اهتمام العديد من التخصصات : كالفلسفة، والدين، والتربية، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.
وقد حظيت بنوع من البحث المكثف مع بزوغ شمس القرن العشرين حيث بدأت التباشير المبكرة لقيام علم النفس الاجتماعي الذي يختلف عن الدراسات الاجتماعية في أنه يركز الجهد على همزة الوصل بين الفرد والمجتمع وقبل هذا القرن أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ علماء الانثروبولوجيا الحضارية وعلماء الاجتماع يضمون جهودهم إلى جهود الفلاسفة. ثم إن علم النفس الاجتماعي استطاع أن : يقف على قدميه و يبدأ خطواته الطموح نحو دراسة موضوعات بالغة التعقيد جاء في مقدمتها موضوع القيم.[15]
وإسهاما في إثراء المكتبة العربية والإسلامية بكتابات معرفية حول القيم، والأخلاق نجد من ضمن القلائل الذي أسهموا في البناء كل من : عبد الله دراز " دستور الأخلاق " وان أخذ كتابه بمنطق المقاربات والمقارنات. مصطفى العدوي" فقه الأخلاق ". وكان عبارة عن محاولة لإضفاء ولإصباغ المعاملات بالأخلاقيات، وكذلك فعل د.يوسف القرضاوي " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي . عبد اللطيف محمد خليفة " ارتقاء القيم " ضمن سلسلة عالم المعرفة. المهدي المنجرة " قيمة القيم "؛ كتابات عبد الوهاب المسيري وعلى وجه الخصوص " دفاع عن الإنسان" الأستاذ محمد بلبشير الحسيني " مدونة القيم من القرآن و السنة"، محمد الغزالي "أخلاق المسلم ". ولعل الذي حمل العلماء على البحث في موضوع القيم كما سنشير إليه في حينه، الطلب المتزايد على القيم؛ وكذلك التفوق التكنولوجي و الخواء الروحي.
القيم:الأقسام و الأنواع
وتنقسم القيم بين البشر، وهي قيم التواصل و التكامل و المساواة، إلى قيم أخلاقية واجتماعية وآداب إنسانية [16] . ويرى الأستاذ طه جابر العلواني بأن الفلاسفة قسموا القيم إلى ثلاثة أنواع : قيم الحق، قيم الخير، قيم الجمال[17]. ويرجع الاختلاف في أنواع القيم – وان لم يكن المشكل يمس الجوهر- إلى الاختلاف في تقدير القيم في حد ذاتها وقد استعرض الأستاذ "سامي خشبة" رؤى كل من الرومانتيكين والمثاليين لمسألة القيم إلى حد وصل ببعضهم إلى طرح سؤال : هل يمكن تحديد قيمة للحب و الجمال أوالوطنية ؟ [18].
القيم: المصدر و المنبع
يرى الأستاذ العلواني بأن مصدر القيم عند الغربيين من، العقل فقط . أما عند المسلمين فمن الوحي و الوجود معا[19]. بينما يرى الأستاذ بلبشير بأنها " تنحصر في مصدرين اثنين : مصدر علوي وردت قيمه على الإنسان عن طريق الشرائع السماوية ومنها الإسلام، ومصدر بشري يبدع قيمه رواد من المفكرين والفاعلين في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، و تزكيها الشعوب تارة وترفضها تارة أخرى. وتلتقي قيم المصدرين في أغلب القيم المعروفة، ولكن المصدرين يختلفان في المعيارية و المصداقية.[20]
القيم : الخصائص و المميزات.
تتميز القيم بخصائص مهمة يمكن إجمالها حسب مستخلصات التعريفات في ما يلي :
1- القيم تكون مفضلة عند الحضارات.
2- القيم تنظم المجتمع وتحفظ استقراره.
3- منظومة القيم هي النواة الصلبة التي تستعصي على الذوبان.
4- القيم تصوغ رؤى وتصورات المجتمعات.
5- القيم تكون مستساغة و مقبولة عند العقول السوية.
6- القيم تتميز بالاستقرار النسبي.
7- القيم تعطينا صورة عن طريقة تفكير المجتمعات.
8- القيم لها رمزية معنوية و سلطة ثاوية في توجيه سلوكيات المجتمع بوعي أو بدون وعي.
9- المجتمع بدون قيم مؤذن بخراب عمرانه.
القيم وسؤال الملحاحية:
لأهمية نظام القيم ومركزيته في البناء الحضاري دعا المفكر عبد الوهاب المسيري إلى : "صياغة عقد اجتماعي جديد" الذي ينطلق من القيم الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والمسيحية بل وبين المنظومات الأخلاقية التي لا تستند إلى المرجعية الدينية[21]. والذي أعاد سؤال القيم إلى الوجهة مجموعة من الأمور، عدها الدكتور نبيل علي[22] في أربعة أموركما يلي:
1-المعلومات وتكنولوجيتها النظيفة.
2- نجاح تكنولوجي وخواء روحي.
3- كلفة باهضة جاء فيها: لقد ارتكب حضارة العصر تلك الخطايا التي حذرنا منها المهاتما غاندي : سياسة بلا مبادئ، وتجارة بلا أخلاق، وثروة بلا عمل، وتعليم بلا تربية، وعلم بلا ضمير، وعبادة بلا تضحية ..
ثم يعرج إلى السبب الرابع الذي له ملحاحية كبرى وهو:
4- الطلب المتزايد على القيم الأخلاقية: واستعرض فيه ما يلي : " دار الصراع بين الدين وفكر عصر التنوير، الذي أخرج أوربا من ظلمة العصور الوسطى على جبهة المعتقدات، فيما يخص نشأة الكون وخلق الإنسان بصفة أساسية. وعلى ما يبدو فالمواجهة بين الدين وفكر عصر المعلومات ستدور رحاها، على جبهة القيم والأخلاق بصفة أساسية ".
إن المطلع على الكتابات الغربية وحتى العربية في الآونة الأخيرة ليجدها تركز على منظومة القيم في محاولة منها لإحياء التراث القيمي. فصرنا نتحدث عن أخلاقيات العلم[23]، وأخلاقيات الانترنيت، وأ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ