إن المتأمل في حال الأمة ليصعب عليه أن يتبين مقدار التخلف الحضاري و العجز الفكري الذي وصلت إليه ، رغم ما تمتلكه من إمكانيات بشرية و مادية و قيم و مبادئ إنسانية سامية. وتشكل الأزمة المنهجية في الفكر الإسلامي أحد أبرز المؤشرات على هذا التخلف ،إذ ما تزال إلى اليوم تعيش على ما أنجزه الأسلاف في عصور ماضية، فأصبح أمر الإبداع لديها معطلا، و حديثنا هنا ليس من أجل ستحضار القصور و جذور الأزمة المنهجية للتعاطي مع التراث، بل الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو التوجهات الرئيسة التي انبثقت عن التلاقي الحضاري بين الغرب و الإسلام في مرحلة شهذ فيها العقل الاسلامي زخما فكريا و ثورة في العلوم والمعارف، بفعل البحث عن النموذج المفقود، يكون قادرا على المواجهة الحضارية مع الغرب. و هي ثلاثة توجهات رئاسية: الأولى ذات موقف تقليدي للحل الأجنبي والثانية موقف تقليدي تاريخي و الثالثة محاولة التوفيق بينهما . و هذا الانقسام في حد ذاته عائق من العوائق المنهجية التي تقف وراء تجديد التراث الاسلامي في إطار المراجعة إذ بدون حسم في المنهج يكاد الامر لا يعدو تلفيقات منهجية من مشارب متعددة مما يفقد الأمر خصوصيته و أبعاده .
أولا: التوجه التقليدي الأجنبي.
و هذا الموقف ينظر إلى التراث من منظار العلاقة مع الغرب ، المتفوق عسكريا و علميا وتنظيميا ، فراح يدعو إلى القطيعة مع التراث من أجل اللحاق بركب الحداثة "[1].
و لعل ما غاب عن هذا الاتجاه عدم قدرة النموذج الغربي على النهوض بمقومات الأمة الإسلامية باعتبار مادية الأولى و روحانية الثانية ، "فالحل الأجنبي ما هو إلا مجموعة من الحلول المستوردة جوهريا من التجربة الغربية الحديثة بكل أشكالها الفردية و الشمولية و العلمانية والإلحادية ( الرأسمالية والماركسية)".[2]
و هذه المنطلقات التي تؤسس لنظريتها على التجربة الغربية لا تنسجم مع مبادئ الحضارة الإسلامية الخلاقة . لهذا "لا يصح للمسلم أن يقلد النمط الحداثي للغرب لأن هذا النمط بني أساسا على نبذ الأخلاق نبذا كاملا و على اعتبار دخولها في العلم و التقنية سببا من أسباب التقهقر وإضعاف الإنتاجية فيهما ؛ومتى خلا العلم و التقنية من الأخلاق، اتخذ منحى ماديا لا يلبث أن ينقطع عن النفع " [3].
فاختلاف الأسس التي يعتمد عليها الحل التقليدي الأجنبي – الغربي- عن مكونات المنطق الإسلامي تجعل هذا الموقف غير سليم في تعامله مع المنظومة الغربية " و سر فشل منطق التقليد الأجنبي الدخيل ليس أمر يصعب فهمه أو تبيان أسبابه الموضوعية لمن أراد الفهم و الإدراك، فالأمم ككائن إنساني حي، هي أشد تعقيدا من الأفراد في تكوينها … فلكل أمة تكوينها في قيمها وعقائدها و مفاهيمها و لها دوافعها ونفسياتها و تاريخها شأنها في ذلك شأن مكوناتها من بني الإنسان"[4].
فإذا تم تغييب هذه الأبعاد في التعامل مع الحضارة الإسلامية فمن الصعب تحريك تراثها و تجديده، فبالأحرى تحريك مكامن القوة فيه.
ثانيا: الحل التقليدي التاريخي.
لقد جاء هذا الحل التقليدي كرد فعل على الموقف الأول ، فانصرف بذلك إلى الاحتماء العاطفي بالتراث ليملأ الفراغ النفسي الذي شعر به إزاء تفوق الآخر ، فلا يجد عزاء إلا في التراث لتضميد الجراح التاريخية و تخدير الحس التاريخي كلما توالت علينا الهزائم و النكبات و النكسات … إنه موقف يعيش في "غيبوبة سعيدة " إسمها " المجد التاريخي " و " العصر الذهبي " " و " سبق الإسلام إلى هذا منذ أربعة عشر قرنا ". [5]
و الواضح أن هذا الحل كسابقة لا يمكن أن يقوم بالنهوض " إذ يلغي الأبعاد الزمانية و المكانية لكيان الأمة و مسيرتها التاريخية "[6]. فالانزواء و الانطواء على الذات ، عبر التستر وراء التاريخ وتمجيد الإنجازات الماضية لا يَعْدُ و أن يكون الأمر مجرد تذكير بتاريخ عريق للأمة دون أن يقدم هذا الشيء في عملية البناء الحضاري عبر تجديد التراث .
فمن أهم الدروس التي تستقى من فكر الفرقة و العزلة و الانطواء هو فشلُ المدرسة التقليدية التاريخية وأن العودة إلى العيش في الأحلام التاريخية هو أمر ضد طبائع الأشياء و حركة الحياة في الزمان و المكان والفكر و الإمكانات " [7].
إن فهم الداء شيء ضروري و محوري لتشخيص العلاج و إعطاء الدواء ، لذلك فإن كل الاتجاهين المذكورين يشكلان حلولا لا تنسجم لمعطيات واقع التراث ، و مقومات البناء الحضاري للأمة الإسلامية ، و يبق
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ